Close

خيارات الوصول

استمع لهذه الصفحة

حدد اللون

القراءة الليلية

إعادة ضبط جميع الإعدادات

المساعدة التفاعلية

في أوقات وظروف معينة تمر بها المجتمعات وتمر بها الجماعات والأفراد في المجتمع، يصير من الحتمي بل واللازم أن تتم مراجعة الكثير من القناعات والقيم التي استقر حال الناس وتعارفوا عليها فصارت مسلَّمات لا تناقش، إننا كأفراد يشكل كل واحد منَّا جزءاً في النظام العام للمجتمع، واختلال الجزء يؤثر حتماً – وسلباً- على النظام الكلي (كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وحمى النظام العام تعني دخوله في حالة عدم استقرار كالفتن أو الفوضى مثلاً، وهذا أمر ضد مقاصد الشريعة والمنطق وأبجديات علوم الاجتماع والسياسة، فأول مهام المجتمع هو رعاية مصالح الناس وتأمين متطلباتهم على الوجه الأفضل في أمان وسلام، وعليه فلا ينبغي التسامح مع ما يمكن أن يتعارض مع هذه الغاية، لأجل ذلك تحتاج المجتمعات لمراجعة منظوماتها القيمية والإيمانية والأخلاقية بين زمن وآخر، كي لا ينسى الناس ولا تنسى مؤسسات المجتمع!

إننا نؤمن بالوطن كقيمة إيمانية عظيمة ترتكز عليها مجموعة اعتبارات مهمة كالولاء والحب والتضحية والدفاع عنه، إلى درجة عدّ الموت في سبيل الوطن شهادة تُدخل صاحبها جنات الخلد، ونؤمن به كقيمة مادية منفعية باعتباره كياناً متجسداً لتحقيق احتياجاتنا ومتطلباتنا، ونؤمن به وجدانياً لارتباط نشأتنا وطفولتنا به، ولأنه بحكم التربية المستمرة في البيت والمدرسة ودروس التربية الدينية والوطنية والأغاني ونشيد طابور الصباح وأشياء كثيرة، يتراكم هذا الذي يكبر فينا كوطن بكل معانيه وتجلياته حتى يستقر حقيقة خالدة لا مجال للمساس بها، يصير مقدساً كالدين وكالأم، وتظل أمهاتنا يكررن على مسامعنا على الدوام هذه العبارة: بلادك كأمك، فهل تقول الأمهات اليوم لأبنائهن تلك العبارة، أم أن صغار اليوم يُتركون للرفاق ولفكرة أن الوطن وظيفة تدر راتباً كبيراً وخدمات ممتازة؟!

أحياناً تختلط الأمور على البعض فيعتقدون أنه أمر مشروع أن يهدموا المنزل (الوطن) على مَن فيه إذا دخلوه يوماً ولم يجدوا مقعداً أو كان الماء والكهرباء مقطوعين، أو إذا تطلعوا للسلطة فنازعتهم نفوسهم طلباً لها أو إذا اعتبروا أنفسهم ومن معهم هم العالم وهم الأهم ومن بعدهم الطوفان، أو إذا تلبست عليهم الدعاوى والأفكار واختلط عليهم الأمر إلى درجة أنه صار ممكناً عندهم أن يحرقوا بلادهم بحجج وأعذار لا منطق لها، هنا تصبح مراجعة مبدأ الولاء للوطن مطلوبة وضرورية، ليس لأجل مجموعة ولكن لأجل المجتمع كله، ويصبح تفحص فكرة الولاء مسألة حتمية ورفع درجات تعزيزها كقيمة وكإيمان، ومهمة كل وسائل ومؤسسات المجتمع وتحديداً المؤسسة التعليمية والدينية والإعلامية.

ولنسأل أنفسنا هل الفوضى هي البديل؟ من ذا معجب بما يراه من سوء أحوال بلاد الثورات اليوم؟ من ذا يقلب استقراره ورخاءه فوضى ودماراً؟ من ذا يقايض الأمن بالخوف والنعمة بالجوع؟ ومن ومن…؟ إن الإجابات ليست في صالح أصحاب مشاريع التغيير الفوضوي، فالوطن للجميع وليس من حق أحد أن يصادره ويتخيل تغييره كما يريد، لذا يجب أن يتعزز مفهوم الوطن كقيمة عظمى أكثر من كونه مناسبات فلكلورية كرنفالية تجارية تنتهي في اليوم نفسه، هذا ما يجب أن ننتبه له جميعاً في هذه المرحلة.

 

عائشة سلطان, جريدة “الاتحاد”

انتظر لحظة...
شكراً على آرائكم

أرسل الى صديق

اكتب تعليقك

انتظر لحظة...
تم إرسال تعليقك وسيتم نشره بعد الموافقة عليه.
1 من0
0تعليق
الأول
الأخير