Close

خيارات الوصول

استمع لهذه الصفحة

حدد اللون

القراءة الليلية

إعادة ضبط جميع الإعدادات

المساعدة التفاعلية

يمثل الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها غاية نسعى إليها جميعاً، بوصفنا شركاء في حب الوطن، وشركاء في بناء نهضته وتقدمه. ولا شك أن الهوية الوطنية هي التي تمنح هذه الشراكة روحها ومعناها. بل لا نبالغ إذا قلنا إن الهوية الوطنية هي التي تهب لنا معنى الانتماء لهذا الوطن الغالي.

لكن الحفاظ على هذه الهوية وتعزيزها يحتاج إلى وسائل عديدة. وقد ناقشنا، في مقالات سابقة، بعض الوسائل الكفيلة بالحفاظ على هويتنا الوطنية. واليوم نناقش معاً الدور الذي يقوم به مكون من أهم المكونات: ألا وهو رأس المال الاجتماعي. الذي بات يحتل أهمية قصوى في عصر الثقافة الكونية وتعدد الهويات والثقافات، وما ترتب على ذلك من تأثيرات سلبية على النسيج الاجتماعي والثقافة الوطنية للعديد من المجتمعات. وضعف الروابط والعلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع.

فما معنى رأس المال الاجتماعي؟ وما الخصائص التي تميزه. وكيف يتشكل؟ وما الدور الذي يقوم به في توطين الهوية؟ على الرغم من تعدد وتنوع التعريفات المرتبطة بمفهوم رأس المال الاجتماعي، ومن دون الدخول في متاهة التعريفات النظرية المجردة؛ يرتبط رأس المال الاجتماعي بشبكة العلاقات الاجتماعية التي ينسجها الفرد، أو الجماعة، بغية تحقيق أهدافه في الحياة. وتتسم شبكة العلاقات هذه بالتنظيم، ولا تخضع للعشوائية . فهي تخضع لقواعد ومعايير تحكم سلوك الأفراد والجماعات، وتوجه سلوكهم الاجتماعي. وفق القيم والأعراف والنظم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية للمجتمع. وتهدف هذه القيم إلى الارتقاء بأفعال الأفراد والجماعات وتعمل على تحسين ودعم سبل التفاعل بينهم من أجل تحقيق الغايات التي يسعون إليها. لذا نجد أن البنك الدولي يحدد مفهوم رأس المال الاجتماعي بوصفه “مجموعة من المؤسسات والعلاقات والقواعد التي تطور من جودة وفعالية التفاعلات. والعلاقات الاجتماعية التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة “.

ويجسد هذا التعريف أهمية رأس المال الاجتماعي ليس فقط في تحسين نوعية وفاعلية العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بين الأفراد، بل أهميته في تحقيق التنمية المستدامة. ويستمد رأس المال الاجتماعي قوته من قدرة الأفراد على المشاركة في الأعمال ذات النفع العام. ومن هنا نجد أن تعريف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمفهوم رأس المال الاجتماعي يجعله قرين العمل الخيري أو التطوعي. حيث يتم تعريف رأس المال الاجتماعي لدى برنامج الأمم المتحدة “بالأفراد المتطوعين في العمل الخيري أو التطوعي والذي يعد عملاً غير ربحي، أي لا يقدم نظير أجر معلوم، وهو عمل غير وظيفي/مهني، يقوم به الأفراد من أجل مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين”. وتذهب بعض الدراسات إلى أن عدد مؤسسات النفع العام وحجم عضوية الأفراد في هذه المؤسسات يعبر عن رصيد رأس المال الاجتماعي في المجتمع.

لكن ما المنابع التي تشكل رأس المال الاجتماعي؟

ثمة مصادر متعددة تساهم في تكوين رصيد الأفراد والمجتمعات من رأس المال الاجتماعي. ويأتي على رأس هذه المصادر: الأسرة والمدرسة، وجمعيات النفع العام ومنظمات المجتمع المدني. حيث تساهم هذه المصادر في تكوين رأس المال الاجتماعي من خلال قدرتها على تشكيل وجدان الأفراد وتربيتهم على القيم والمعايير التي تزيد من رصيد رأس المال الاجتماعي لديهم، وتعزز من دوره الايجابي في المجتمع. ومن أهم القيم التي تشكل رصيد رأس المال الاجتماعي: القدرة على العمل الجماعي المشترك، قيم الثقة بين الأفراد، وبينهم وبين المؤسسات المختلفة، الحكومية وغير الحكومية. والثقة بين الفرد والدولة، وقيم التعاون والتضامن، والقيم التي تعزز الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية. والقيم التي تعلي من شأن تماسك النسيج الاجتماعي. وإذ تشكل هذه القيم، في مجموعها، رصيد الأفراد من رأس المال الاجتماعي، فإن هذا الرصيد يمثل قوة دافعة تساهم في بناء نهضة الوطن وتقدمه، في مختلف جوانب المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فعلى الصعيد الاقتصادي، يساهم رأس المال الاجتماعي – بما يوفره من مناخ قائم على الثقة والشفافية – في مساهمة الأفراد في مختلف المشروعات الاقتصادية وانخراطهم في سوق العمل، كما يساهم في إعلاء قيم العمل والإنجاز. وعلى الصعيد الثقافي، يؤدي رأس المال الاجتماعي إلى تعزيز مشاركة الأفراد في إنتاج وتوظيف المعرفة، وفي مشاركتهم في توسيع دائرة الوعي – من خلال المشروعات والأنشطة التي تهدف إلى القضاء على الأمية، سواء بمعناها الأبجدي (عدم معرفة القراءة والكتابة)،أو بمعناها المعرفي أو الثقافي (الذي يعني عدم القدرة على التعامل مع المنجزات المعرفية لثورة المعلومات وأهمها الحاسب الآلي والإنترنت). وعلى الصعيد الاجتماعي، يساهم رأس المال الاجتماعي في تشكيل وجدان الأفراد ووعيهم الجمعي، ويعزز من القيم والمعايير الأخلاقية التي تدفعهم نحو التضامن والتعاون وتعزز لديهم قيم الولاء والانتماء. وهذه القيم تشكل، في الوقت نفسه، جوهر الهوية الوطنية.

ويفضي ذلك كله إلى خلق بيئة تمكينية توفر المناخ الصحي اللازم لتوطين الهوية، وجعلها ذات جذور ثابتة تستمد مقوماتها من المخزون الاستراتيجي لرأس المال الاجتماعي. الذي يساهم ليس فقط في الحفاظ على الهوية الوطنية، بل يساهم في الوقت نفسه في تحقيق التنمية المستدامة.

 

بقلم الشيخة د.شما بنت محمد بن خالد آل نهيان باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي

انتظر لحظة...
شكراً على آرائكم

أرسل الى صديق

اكتب تعليقك

انتظر لحظة...
تم إرسال تعليقك وسيتم نشره بعد الموافقة عليه.
1 من0
0تعليق
الأول
الأخير