Close

خيارات الوصول

استمع لهذه الصفحة

حدد اللون

القراءة الليلية

إعادة ضبط جميع الإعدادات

المساعدة التفاعلية

شكلت كلمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حين قال: «إنّ من لا هويةَ له، لا وجود له في الحاضر، ولا مَكانَ له في المستقبل»، ما يمكن تسميته بوضوح فلسفة الهوية الوطنية، لتكون بعد ذلك حجر الأساس الذي انطلق منه الحراك الجماهيري والمؤسساتي والحكومي، لتعزيز هذا المفهوم وتجذيره في المجتمع وبين النشء من أبنائه وجميع مواطنيه، بل حتى والمقيمين على أرض هذا الوطن.

فهي، كما أوعزت بذلك كلمة سموه، ليست مجرد انتماء نسبوي بقدر ما هي وجود واقعي حتمي، ينظم حركة الحاضر، ويخطط للمستقبل، لترك البصمة التاريخية التي تبقى بعد تداعي الزمان وتغير المكان.

ومن هذا المنطلق، يمكن الغوص بعيداً في مفهوم الهوية، كما تنظر إليه الدولة، وكما تقرره استراتيجية القيادة، في أبعاده التي تفوق المفهوم البداهي الأولي عن الهوية التي لا تتجاوز حدود الانتماء في حدود الجغرافيا أو التاريخ، بل تتجاوز ذلك لتجعل منها انتماءً في آفاق المستقبل، لتشكل من المواطن المنتمي إلى هذه المنظومة قدوة حضارية، تحتكم إلى تصورات ثابتة، يدور في فلكها صاحب الهوية.

هذه المنظومة من التصورات هي التي تحدد درجة النضج والولاء والعطاء، عبر معايير متداخلة، تبدأ قبل كل شيء من فيض الشعور العارم عند المواطن بحبه لوطنه وولائه له، فلا يقبل المساومة عليه، ولو بالدنيا وما فيها، لأنه يعده جزءاً من كيانه الذي لا يقبل القسمة أو التجزيء، بل لا يقبل في مقابله بأنصاف الحلول التي تشرذم الولاءات، وتختلط فيها الانتماءات.

وتتوالى أساسيات هذا الالتزام بجوهر الهوية الوطنية، لتتمثل بالانصياع للقيم الثابتة والفضائل، لأنه يعلم أنها مفاتيح التعريف به لدى الآخرين، وهو من دونها سيذوب في سيل التداخل الحضاري الذي حطم القيود بين البشر، وأحال أكبر المسافات إلى قرى صغيرة، تتشابك فيها الاهتمامات والمصالح، وتطغى فيها أصوات المادية والبراغماتية على حساب التمسك بالقيم.

ولا بد من التأكيد على أن هذه الهوية لا يمكن أن تبقى مندفعة ذاتياً، بل لا بد من تعزيزها على الدوام بطلب العلم والمعرفة، وهي ركن أساسي من أركان ثقافتنا، وعماد حضارتنا، بل هي السلاح الأوحد للدخول في عالم المستقبل، الذي ألمحت إليه كلمة صاحب السمو رئيس الدولة.

إن الهوية الوطنية حين تصبح شعوراً عاماً مكتنزاً في ضمائر الناس، تغدو بشكل آلي مفتاحاً للعمل في خدمة الوطن والذود عنه، وتعزيز التعاون والتطوع والعمل الجماعي، بعيداً عن مصيدة الأنانية والتفكير المنغلق على الذات، الذي لا يكترث لجدوى التعاضد والتكاتف الاجتماعي في بناء النهضة، ولا يرى جدوى من أهميته في حراك النهضة، وها هنا يفعل الاعتداد بالهوية الوطنية فعله في الضمير الإنساني، حين يحس أنه شيء مهم وليس أي شيء.

ومن هذا المنطلق، كان العمل على حماية الهويّة الوطنيّة والدعوة إليها، أعلى المسؤوليات المشتركة التي وجب التعاون في إرسائها، فهي تقع على عاتق الجميع، أفراداً ومؤسسات، كما تستوجب منّا جميعاً تكثيف الجهود للمحافظة عليها كموروث وطنيّ للأجيال القادمة.

ولذلك، جاءت مبادرة وزارة التربية والتعليم، باعتماد تدريس مفهوم بطاقة الهوية في المناهج الدراسية والأنشطة التعليمية للعام الدراسي الحالي، في هذا السياق من تأكيد الأهمية التي يحظى بها مفهوم الهوية، لأن ذلك من شأنه أن يسهم في رفع مستوى الوعي بأهمية نظام السجل السكاني ومشروع بطاقة الهوية، كأحد أبرز المشاريع الاستراتيجية للدولة التي تبنتها القيادة الرشيدة، وهي بلا شك تصب بشكل مباشر في دعم وتحقيق رسالة الهوية الوطنية ورؤيتها، الهادفتين للمساهمة في تحقيق التنمية الشاملة في الإمارات، والتركيز على توطيد هذه الفكرة لدى تلاميذ الصفوف الدراسية الأولى، سيكون له كبير الأثر فيهم مستقبلاً.

وأخيراً، لا بد من الثناء على مشروع بطاقة الهويّة التي تحتوي على خصائص أمنيّة عالية المستوى، وفق أفضل المعايير العالميّة للأمن والسلامة في مجال التكنولوجيا الرقميّة وأمن المعلومات، لأن هيئة الإمارات للهوية تسعى من خلال هذا المشروع إلى إنشاء قاعدة بيانات سكانيّة آمنة وسليمة لجميع سكان الدولة، بما يترجم الحرص على حسن المتابعة والعناية بالجميع وصيانة حقوقهم، وضمان سلامتهم وتسهيل تفاصيل حياتهم، تجسيداً للمبادئ الاستراتيجية التي انطلقت منها دعوة الحفاظ على الهوية الوطنية.

 

نورة السويدي, صحيفة “البيان”

انتظر لحظة...
شكراً على آرائكم

أرسل الى صديق

اكتب تعليقك

انتظر لحظة...
تم إرسال تعليقك وسيتم نشره بعد الموافقة عليه.
1 من0
0تعليق
الأول
الأخير